منتدى أبو عرب


 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 الريف و المدينة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
LorDJohnnY
مشرف عام
مشرف عام


ذكر عدد الرسائل: 159
العمر: 27
تاريخ التسجيل: 18/05/2008

مُساهمةموضوع: الريف و المدينة   الأربعاء سبتمبر 24, 2008 1:00 pm

الريف و المدينة


هناك وُلدت ، في قرية نائية لم تعرف هذا التطور ،و لدت ببساطة في ذلك البيت الفسيح الرحب و لعبت في سنيني الأولى على المسطبة التي تزوج عليها جدي و أبي و أعمامي من بعده، حيث أنّ جدتي زرعتها بالمردقوش و الحبق و العطر و الفل و الياسمين و الورد الجوري و العنبر و لم تنسَ النعناع و الزعتر و البصل الأخضر. و قام جدي بزراعة الدوالي حيثُ تدلت منها الثريات محملة ببلورات تراوحت بين الأصفر و الأحمر. و كم لعبت بتلك الارجوحة التي صنعها والدي لي تحت تلك السنديانة التي يقول البعض لها عمرٌ من عمر قريتي. و كان للبيت من الجهة الأخرى شرفة فكل ما جلست بها في السهرات الصيفية ،كنتث أرى القمر حتى كنت اظن ان القمر لنا وحدنا...و في الشتاء كانت سهراتنا تتمركز حول الموقدة و قصص جدتي و كانت امي تخرج من ذلك الصندوق(صندوق البركة) الجوز و التين و اللوز و الزبيب و المشمش ...و كنا نأكل منه جميعاً و لا نشبع و هو يفيض علينا بالبركة و الخير.و كم مرة مشيت في تلك الحقول و قفزت وراء الفراشات و لعبت مع خراف الراعي و سبحت في نهر قريتنا ... كم مرة جلست و تلذذت بتلك الموسيقى بين حفيف الاوراق و خرير الجداول وزقزقة العصافير و ناي الراعي و صوت المنجل و غناء الحسنوات الذين يملأنَ الجرار من النبع...
مرت الايام الجميلة بسرعة ، و بهرت كغيري من الفتيان بتلك الاضواء و قال صديقي المثل "ليس كل ما يلمع ذهب" فتركت المنجل و كروم التفاح و العنب و ودعت الراعي و النبع و القمر و البيت و كل شيء نازلا الى المدينة، متأملاً بمستقبل زاهر و سعيد.
لقد رَكَبَني يومها جدي على صهيل (البغل) و كان بين جدي و صهيل علاقة متينة فجدي يدلعه كأولاده و صهيل يفهم على جدي من اشارة . وصلت الى المحطة فكبت جدتي و امي و اختي و وقف جدي ووقفت دمعته في عينه و صهيل ايضا ، و لكن لم أرَ والدي يومها ...نزلت الى المدينة محملا بالطعام الشهي من خيرات الارض...
و ما ان اقتربت الاضواء بدئ قلبي بالخفقان و ها قد وصلت... نزلت فدخلت بين تلك العجقة الابنية الشاهقة و السيارات و الناس ...و اذا بي باحد اسواق المدينة...
التفاحة ، عند بائع الفاكهة ، تبكي على أمّها ، و تذبل على ذكر أيامها في وطن التفَّاح! و ربما أطلّت بخدها الأحمر ، من قفّة القصب ، و هي تكادُ تقول : ارحموني من نهش و عضّ!
أم بواكير التفّاح فهيهات أن يجد بائعها مشترياً يغرز أسنانه في خدود أطفال الثمر، و لا يبالي...
و عند بائع الزّهر تطالعك الوجوه المدوّرة ، من كل لون و نوع.كأنها قد عرفتك ، أو أنَّها حسبتك قادماً من الجبل لساعتك. فتكاد تسألك عن شقائقها في بعض الوهاد ، و تغمزك في ذلك بأطراف عيونها ، مخافة من ان يراها صاحب الدكّانّ!
ثم ينكمش قلبك ،من الحزن، على تلك الزهرات المقطوفة...وقد فارقها الشَّذا ، و أقامت في آنية الغربة تنتظر رحمة الله...
أما العنب ، في دكان الفاكهة ، فهو ظروف الحلاوة : يدبق، و ينضح، و يكلد يقطر الى الأرض-فايّـــاك ان تمسه، يلصق باصابعك...أصبح العنب في المدينة ، لا يصحُّ أن يُفضى اليه باليد، من غير حائل، وقدكان في الرّيف ، امس ، حبوب الرقّة ، التي تجري مع الريق.
و أما البطيخ الجبلي ، فيعجبني منه عناد رؤوسه ، في زاوية الدكان...
و القثاء الطويل منبطح في الأرض ، من الغيظ ، على فرقة عصي النواطير!
و اللوز الأخضر – و هو من جلب الجبل ، و كأنّه حبوب ربيعيَّة ،تُوَزَع في المدينة كما توزع البركة...
و الديك ، هو فحل المصطبة ، أصبح القفّة ، عند بائع الدّجاج !و من ذا الذي يصدق ان الصبح في الجبل صار يطلع بلا حاجة الى صياحه!؟
و أين ميزة التيقُّظ ؟ و أين عين الدّيك، وصيحة الديك،يا باعة الخير؟؟؟
و يا سجين القفّة : إنَّ صديقتك ، في الجبل (الدجاجة البيضاء) حرامٌ عليها صحن الدّار من بعدك!
و عند الصيدلي " يختبئ ..." البنفسج في بعض الاوعية –لا يترك شيمته الحلوة ، و إن اصبح في بضاعة العافية!(فهو يشفي البطون من الكظّة ، ويدخل عليها الانتعاش).
فيا عجباً لذلك المتواضع ! يقيم بين قناني الزجاج فلا يضرب برجله من الانتفاخ و التعظُم ، على أنه دواء العيون و هو رطب و دواء البطون و هو يابس.
و العصفور ، بطل الحريّة ، و مقلق الغصن ، أصبح في القفص ، عند بائع العصافير!هو ابن الجبال و البلاد العالية ، وقَعَ في اليد! يقول صديقي المثل :"صيحة في الوادي"، و في هذا المقام يصحُّ تغيير المثل ، كرامة لعين العصفور ، فيقال : "صيحة في شارع"...
و أين الحرية التي ترجح عند العصفور بالأهل و الرّوح؟!أين التطويف في بلاد الجبل ، و السُّقيا من ماء العيون؟!
و كل هذا حتى وجدت شقة كما سماها أحد الخيرين بعد ان أخذ مني سمسرة (اي ثمن النخوة) ، و يا لها من شقة ، قن الدجاجات أكبر منها ، نعم انها كعلبة السردين التي أكلها هنا... و الضجة تأتي من كل جهة من هنا صوت زمور و هناك صوت بائع خضار و هناك بعض الاشغال فتلك المدينة التي بهرتني هي مركز الضجة ...
و مرت سبعة سنوات من التعب حتى رايت صندوق البريد فتذكرت الاهل و القرية و وعدي بالمراسلة ...
و أنا اكتب رسالة تذكرت الريف و لذته و تذكرت:
جبران خليل جبران(مناحة في الحقل) بشري
و مخائيل نعبمة(المفكرة الريفية) من جبل صنين
و موريس عواد(الشاعر الذي فن حياته من اجل قريته بصاليم)
و فؤاد سليمان(بين الريف و المدينة)
و طبعا نزار قباني(خمس رسائل الى امي التي انهى احداها:



صباحُ الخيرِ يا حلوه..
صباحُ الخيرِ يا قدّيستي الحلوه
مضى عامانِ يا أمّي
على الولدِ الذي أبحر
برحلتهِ الخرافيّه
وخبّأَ في حقائبهِ
صباحَ بلادهِ الأخضر
وأنجمَها، وأنهُرها، وكلَّ شقيقها الأحمر
وخبّأ في ملابسهِ
طرابيناً منَ النعناعِ والزعتر
وليلكةً دمشقية..

أنا وحدي..
دخانُ سجائري يضجر
ومنّي مقعدي يضجر
وأحزاني عصافيرٌ..
تفتّشُ –بعدُ- عن بيدر
عرفتُ نساءَ أوروبا..
عرفتُ عواطفَ الإسمنتِ والخشبِ
عرفتُ حضارةَ التعبِ..
وطفتُ الهندَ، طفتُ السندَ، طفتُ العالمَ الأصفر
ولم أعثر..
على امرأةٍ تمشّطُ شعريَ الأشقر
وتحملُ في حقيبتها..
إليَّ عرائسَ السكّر
وتكسوني إذا أعرى
وتنشُلني إذا أعثَر
أيا أمي..
أيا أمي..
أنا الولدُ الذي أبحر
ولا زالت بخاطرهِ
تعيشُ عروسةُ السكّر
فكيفَ.. فكيفَ يا أمي
غدوتُ أباً..
ولم أكبر؟


و قول سعيد عقل مفتخراً بقريته زحلي " أنا بيتي بنص الكون .الأرض بنص الكون.و أسيا بنص الأرض. و لبنان بنص أسيا. و زحلة بنص لبنان . و بيتي بنص زحلي . قوضتي بنص بيتي. و تختي بنص قوضتي .و انا بنام على نص تختي إذا أنا بنام بنص الكون".
فلم احتمل الشوق حملت ما تبقى من أغراضي عائداً الى أرض الخير الى قريتي...
و ما ان وصلت الى قريتي ، حتى ترجلت راكضا في الحقل متنشقا ذلك الهواء النقي فرحاً فاستوقفني الحقل عند المغيب ...
في وسط الحقل جلست أناجي الطبيعة في تلك الساعة المملوءة طهراً و جمالاً أستفسر كل ما ارى عن حقيقة الجمال و استحكي ما يرى عن جمال الحقيقة.
مرَّ النسيم متنهد تنهد يتيم يائس، فسألت مستفهماً لماذا تتنهد ايها النسيم اللطيف؟ فأجاب : لأنني ذاهب نحوى المدينة مدحوراً من حرارة الشمس. الى المدينة حيثُ تتعلق باذيالي النقية مكروبات الأمراض وتتشبث بي انفاس البشر السامة. من أجل ذلك تراني حزيناً.
ثم التفتُّ نحو الأزهار فرأيتها تذرف من عيونها قطرات الندى دمعاً،فسألت: لماذا البكاء يا أيتها الأزهار الجميلة؟فرفعت واحدة منهن رأسها اللطيف و قالت : نبكي لأن الانسان سوف يأتي و يقطع أعناقنا و يذهب بنا نحو المدينة و يبيعنا كالعبيد و نحن حرائر، و إذا ما جاء المساء و ذبلنا و رمى بنى الى الاقذار.كيف لا نبكي و يد الانسان القاسية سوف تفصلنا عن الحقل؟
و بعد هنيهة سمعت الجدول ينوح كالثكلى، فسألته: لماذا تنوح يا ايها الجدول العذب؟ فأجاب لأنب سائر كرهاً الى المدينة حيث يحتقرني الانسان و يستعيضُ عني بعصير الكرمة و يستخدمني لحمل ادرانه. كيف لا انوح و عن قريب يدنس شرفي و تصبح نقاوتي وزراً و طهارتي قذراً؟
ثُم اصغيت فسمعت تغني نشيدا جميلا رائعا و لكنه حزيناًيحاكي الندب فسالتها لماذا تندبين يا ايتها الطيور الجميلة؟فاقترب مني عصفور ووقف على طرف الغصن و همس في أذني: سوف يأني ابن أدم حاملاً آلة جهنّميّة تفتك بنا فَتكَ المنجل بالزرع ، فنحنُ نودع بعضنا بعضاً لأننا لا ندري من منّا سيتملص من القدر المحتوم. كيف لا نندب و الموت يتبعنا اينما سرنا؟
غابت الشمس و سطع نور القمر لأول مرة لم اراه من شرفتنا... فركضت الى بيتنا و ما ان وصلت وجدت الشرفة الشرقية قد وقعت فسألت أمي : اماه ألم يعد القمر لنا وحدنا ؟؟؟
قالت : ومتى كان لنا وحدنا ؟؟؟
قلت : انني لم اراه في المدينة و لولا وقعت شرفتنا لبقي لنا وحدنا.
و نمت تلك الليلة في صمت و امي من فرحتها بي ذبحت الديك و لكن كان البيت بارد لم أعلم السببو كأن الموقدة يجب ان تكون في القلب و ليس على باطون الغرفة.
و ما ان اشرقت الشمس حتى استيقظت حتى قفزت ، فكانت أمي سبقتني... فسألتها عن أحوال الدنيا و القرية ...
فكان جوابها لقد دخل الزفت و الكهرباء قريتنا ... و بدل غابات الصنوبر بنبت غابات الباطون.
و خرجت فوجدت السنديانة قد يبست من الزفت الذي احاط بها ... فحزنت و سألت أمي: "لماذا لم يمنعهم ابي من وضع الزفت على ارض السنديامة"؟
اجابت : لقد ضحك احد ابناء المدينة على والدك فرهن الارض للبنك ليستثمر أمواله و لكن الفائدة بلعتنا ؛ فلجأ والدك الى البحر الهجرة و سرعان ما اختفت اخباره فبلعه البحر الكبير –أمريكا-".
وكادت الشمس تحرقني في هذه الوقفة فنظرت فوقي على المصطبة فلم اجد تلك الدوالي و لا تلك الثريات فسألت عن جدي الذي طالما اعتني بها و دلعها.
فاجابتني جدك لم يحتمل غياب ابنه ...
مات جدك في القبو مع البغل بسكتة قلبة اصابتهما.
و ثم نظرت الى الحوض فلم اجد (زريعة ستي) اي نباتات التي زرعتها و طالما اعتنت بها؟؟
فردت امي: جدتك الأخرى تذكرها الله على غياب ابنها و زوجها كم كانت مشتاقة اليك وكم سألت عنك...
نزلت دمعتي و تذمرت النوم في حرجها و هي تروي علَّ قصة و راء قصة دون ملل...
فدخلت مع أمي البيت الذي ادركت سبب برودته الأن و قلبي مفطور ، فرايت امامي صندوق البركي فناديت أختي
فقالت امي: من تنادي؟
قلت: أختي!
قالت : اتعلم عندما تريد ان تقطف زهرة من البستان الا تختار اجملهنّ.
و الدموع التي حبستها طول ذلك الوقت قد انهارت الله اختارها و الموت كأس سيمر على كل الناس.
فحزنت ز توجهت نحوى ذلك الصندوق لأرى و اتذكر و اتحلى كما كنت افعل انا و اختي فوجدت الصندوق فارغ؟؟؟
فطرحت السؤال من جديد: أمي لماذا صندوق البركة فارغ؟ هل البركة هب الأخرى ماتت؟
قالت مبتسمة: يا بني البركة لا تموت البركة هي من الله تمنح للكبير ليعود و يعطيها للصغير و انا جدتك كانت البركة و عندما ورثتها لم اجدك فالمدينة سرقتك مني و الموت سرق اختك...
فقلت : سأعود يا أمي و ستعود البركة الى بيتنا... سأعود الى قريتي الى الريف...

صديقي هل سأعود؟
و أنت هل ستعود؟؟




بقلم جوني الخوري
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 

الريف و المدينة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى أبو عرب :: المواضيع و الجد :: قسم لمن يجرئ فقط؟؟؟!!!-